محمد أبو زهرة

1209

زهرة التفاسير

ولقد أراد نبي اللّه زكريا أن يعلم الوقت الذي تبتدئ فيه هذه البشارة أن تتحقق ، وأن تقوم آية تدل على الحمل كما يقول بعض المفسرين فقال كما حكى اللّه عنه : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً : في تفسير هذا النص الكريم اتجاهان : أولهما : أن سيدنا زكريا عليه السلام طلب علامة تدل على موعد الحمل ، فقال : اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة أعرف منها موعد الحمل ، فقال له ربه : آيتك أي علامتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ، أي لا تستطيع أن تكلم الناس إلا بالرمز والإشارة ، وأن تستطيع ذكر اللّه ، فاذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار ، أي في المساء ، وفي الصباح من وقت الفجر إلى الضحى ، وقد وضح هذا الاتجاه الزمخشري فقال : « آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام ، وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللّه ؛ ولذلك قال : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ، يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس ، وهي من الآيات الباهرة . فإن قلت لم حبس لسانه عن كلام الناس ؟ قلت ليخص المدة بذكر اللّه لا يشغل لسانه بغيرها ، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة ، وشكرها الذي طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية لأجل الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر . وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه » . هذا هو الاتجاه الأول . وأساسه أن ثمة أمرا آخر خارقا للعادة ، وهو عجزه عن كلام الناس مع قدرته على الذكر . أما الاتجاه الثاني ، فأساسه غير ذلك ، إذ إن معنى النص الكريم على هذا الاتجاه أن زكريا شعر بإكرام اللّه تعالى إكراما خصه به ، وكانت آية ذلك الإكرام بين الناس أنه قد أنجب من عاقر وعجوز ولدا ، وقد بلغ من الكبر عتيا ، فدعا ربه أن يجعل له بين الناس آية تدل على عظيم شكره ، وأن يختص من بين الناس بهذا الشكر ، ليعلم الناس علامة شكره كما علموا علامة إكرامه ، فقال سبحانه :